شهدت مدينة نيويورك لحظة تاريخية غير مسبوقة حين حلّقت أول سيارة طائرة كهربائية بالكامل، وهي طائرة جوبي إير تاكسي، بشكل هادئ وبدون ضجيج حول جزيرة الحاكم وجسر بروكلين، قبل أن تهبط بأمان في مطار السماء في وسط مانهاتن. كانت هذه أول رحلة من نوعها لنقل الركاب بشكل مباشر بين نقطتين عبر الجو داخل المدينة، مما يمثل إنجازاً كبيراً في صناعة الطائرات الكهربائية ذات الإقلاع والهبوط العمودي (eVTOL).
هذه اللحظة كانت بمثابة نقطة تحوّل لي، خاصة أنني أتابع منذ سنوات صناعة الطائرات الكهربائية الطموحة، ولم أكن قد شاهدت طائرة كهذه في الهواء من قبل. على الرغم من أني فاتتني تجربة عرض النموذج الأصغر في نيويورك عام 2023، إلا أن الواقع أن هذه المركبات لم تحصل بعد على التصريح النهائي من إدارة الطيران الفيدرالية (FAA). ومع بطء الإجراءات البيروقراطية، توقعت أن يمر عقد كامل قبل أن أرى واحدة تحلق خارج نطاق الاختبارات المعملية والمطارات التجريبية.
لكن اليوم، كنت واقفاً تحت سماء شبه صافية، أراقب هبوط طائرة جوبي التي نزلت من السماء بسلاسة، محققة هبوطاً ثلاثياً دقيقاً باستخدام ست مراوح، وهو إنجاز فريد من نوعه في تاريخ النقل الجوي الحضري.
سهولة القيادة والتكنولوجيا المستخدمة
ركن الطائرة، الملقب بـ”المساعد الطيار” بودي دينام، خرج مرتدياً بدلة زرقاء أنيقة، وهو يرحب بي بحرارة. سألته عن مدى صعوبة قيادة مركبة تدمج بين طائرة ومروحية عملاقة، فرد أن الطائرة تعتمد على نظام “التحكم الإلكتروني بالتوجيه”، مما يسهل قيادتها بشكل كبير. وهو يوضح أن السائق يتحكم في السرعة والارتفاع، بينما يتولى نظام التحكم في الطيران تنفيذ الأوامر تلقائياً.
ويحمل دينام خبرة واسعة، حيث عمل سابقاً مع البحرية الأمريكية في تطوير نظام الطيران العمودي لطائرة F-35، وهو نفس النظام الذي تعتمد عليه طائرة جوبي اليوم. رغم أن الطائرة سهلة القيادة نسبياً، فهي تقنية معقدة تُحول بين وضعية الطيران العمودي ووضعية الطيران التقليدي بشكل تلقائي، حيث تبدأ المراوح الأمامية في الاتجاه للأعلى لعملية الإقلاع، ثم تنحني تلقائياً لتواجه الأمام أثناء الطيران.
ثورة في صناعة الطيران الكهربائية
قال لي جيوبن بيفيرت، الرئيس التنفيذي لشركة جوبي، بعد العرض، إن هذه الرحلة تمثل نقطة فارقة لصناعة الطائرات الكهربائية ذات الإقلاع والهبوط العمودي. فهي تساهم بشكل كبير في تقليل الضوضاء والتلوث الجوي. إذ أن طائرة جوبي تعمل بالكهرباء بالكامل، وتصل سرعتها إلى 200 ميل في الساعة، وتنتج صفر انبعاثات، وتصدر ضجيجاً منخفضاً جداً مقارنةً بالمروحيات التقليدية، حيث يُقال إن مستوى الصوت أثناء الطيران أقل بـ100 مرة من صوت مروحية عادية.
وفي موقف يعكس عمق التغيير، حاولت مروحية ضخمة أن تقترب من المطار وتوقف في الجو، مما عطل بشكل مؤقت حديث بيفيرت، لكنه أظهر مدى قدرات ومرونة هذه التقنية الجديدة.
القيود الحالية والتطلعات المستقبلية
بيفيرت يرى أن هذه الرحلة تمثل بداية لمسار تصنعه الشركة والصناعة بشكل عام، ويعتبرها مؤشراً جيداً للمستقبل. لكن، في الوقت الراهن، الطائرة لم تتجاوز حدود المياه؛ فهي لا تزال بحاجة لموافقة إدارة الطيران الفيدرالية لتحلق فوق الأراضي، وهي خطوة تحتاج إلى وقت وجهود تنظيمية.
تم تسريع هذه العملية بفضل برنامج اختبار الطيران المشترك الذي أطلقته إدارة الطيران الأمريكية، والذي أتاح تجربة الرحلة بين شركة جوبي ووكالة موانئ نيويورك ونيوجيرسي. ومع ذلك، فإن الموافقة النهائية من FAA ضرورية قبل أن يتمكن الركاب من ركوب طائرات جوبي من مطار جون إف كينيدي.
السلامة والتوقعات المستقبلية
تُجهز نماذج جوبي الحالية بمجموعة من وسائل السلامة، منها أنظمة احتياطية تتيح استمرار الطيران حتى في حالة فشل أحد المراوح الستة، مع وجود أنظمة مزدوجة داخل كل مروحة لمنع الأعطال. يُتوقع أن تحصل الشركة على موافقة FAA للرحلات التجارية في العام القادم، حيث يمكن للعملاء حجز رحلات عبر تطبيق جوبي، تماماً كما يطلبون سيارات الأجرة عبر أوبر.
وفي النهاية، يبرز سؤال مهم: لماذا نحتاج إلى هذا النوع من التنقل السريع في المدينة؟ يجيب بيفيرت ببساطة أن الأمر يتلخص في توفير الوقت، حيث يمكن أن تقل الرحلة من مطار JFK إلى وسط مانهاتن خلال خمس دقائق بدلًا من ساعة.
تكلفة الرحلات والتحديات المستقبلية
بالطبع، ستكون أسعار الرحلات مرتفعة في البداية، لكن الشركة تعهدت بأنها ستعمل على جعل الخدمة في متناول الجميع، مع محاولة ألا تتجاوز تكلفة الرحلة مبلغ 150 دولاراً، وهو سعر مشابه لرحلات أوبر الفاخرة. مع توفر مقصورة واسعة تحتوي على أربعة مقاعد جلدية ونوافذ كبيرة، قد يتحول الطيران الكهربائي إلى وسيلة سياحية مثالية في المدينة، خاصة مع توسع الإنتاج وتوفير المزيد من الطائرات.
على الرغم من أن النموذج الحالي قريب من النسخة النهائية، إلا أن الشركة تنوي إنتاج أربعة طائرات شهرياً بحلول عام 2027، مع خطط لتوسيع الأسطول تدريجياً. وعندما تصبح الطائرات جاهزة للطيران، سيكون أول من يركبها هو الرئيس التنفيذي نفسه، جيوبن بيفيرت، الذي أكد أنه يثق تماماً في سلامة التكنولوجيا ووعد بأنه سيكون أول الراكبين.
ختاماً
هذه اللحظة تمثل بداية جديدة في عالم النقل الحضري، وتؤكد أن مستقبل التنقل في المدن قد يتغير بشكل جذري خلال السنوات القليلة القادمة، مع ظهور الطائرات الكهربائية ذات الإقلاع والهبوط العمودي كوسيلة آمنة وفعالة للمسافرين.
المصدر: Latest from TechRadar
