في خمسينيات القرن الماضي، أطلق طيار القوات الجوية الأمريكية جون بويودعوة غير معتادة: فبالنظر إلى نقطة ضعف، يمكنه أن يهزم أي خصم في معركة جوية خلال أقل من 40 ثانية. وكان نادراً ما يخسر رهانه. ركزت رؤيته على سرعة اتخاذ القرار، أي القدرة على تفسير الإشارات، والتكيف بسرعة، والتصرف قبل أن يتمكن الخصم من الرد. مع مرور الوقت، وسّع بويود هذه الفكرة لتشمل نظرية أوسع لاتخاذ القرار أطلق عليها اسم “دورة OODA” — المراقبة، التوجيه، القرار، التنفيذ — والتي تشرح كيف تعالج الأفراد والمنظمات المعلومات وتحولها إلى أفعال.
تطور قرار الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات
اليوم، يظهر هذا النموذج بشكل متزايد داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي في المؤسسات. مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد تحليل البيانات إلى المشاركة الفعالة في العمليات التشغيلية، بدأ يُشرك بشكل متزايد في دورة اتخاذ القرار، حيث يفسر الإشارات، يُنتج تفسيرات، ويقترح إجراءات. التحدي هنا أن تضمن المؤسسات بقاء الإنسان ضمن الحلقة القرارية، خاصة في القرارات الحساسة، إذ لا يزال على البشر تقييم الأدلة، وإصدار الأحكام، وتحمل المسؤولية النهائية عن النتائج.
السياق المفقود وراء قرارات الذكاء الاصطناعي
كل مرة يستخدم فيها الموظف أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل — سواء لطرح سؤال، أو تعديل طلب، أو مراجعة توصية، أو استكشاف مجموعة بيانات — يتم إنتاج أثر يتعدى مجرد الناتج النهائي. يتشكل مسار قراري حول التفاعل، يتضمن ما الذي دفع إلى السؤال، وما هي المصادر البيانات التي استُخدمت، وكيف تم تفسير الإشارات المتضاربة، ولماذا تم اختيار مسار معين دون آخر. هذا السياق هو ما يُعطي معنى للقرار.
تقليديًا، كانت أنظمة المؤسسات تركز على تتبع النتائج النهائية فقط، مثل إصدار تقرير أو الموافقة على عملية أو قبول توصية. أما الأسباب التي أدت إلى تلك النتائج، فكانت غالبًا مبعثرة بين رسائل البريد الإلكتروني، ولوحات البيانات، والمحادثات. مع تطور تفاعل الذكاء الاصطناعي، تسارعت وتيرة هذا المفهوم، إذ تُعقد عمليات التفكير داخل واجهات محادثة أو سير عمل آلي، غالبًا دون أن تكون مصممة لتكون سجلاً دائمًا. النتيجة أن المنطق وراء القرارات المهمة قد يصبح غير مرئي، ظاهرًا فقط في اللحظة، ويصعب استرجاعه لاحقًا.
غياب الذاكرة المؤسسية عن القرارات
مع توغل الذكاء الاصطناعي في العمليات الحيوية، يتزايد الاعتماد على التعاون بين الإنسان والآلة في تفسير الأسباب. قد يعتمد المحللون على الذكاء الاصطناعي لعرض الإشارات ذات الصلة، ويستخدم المديرون ملخصات الذكاء الاصطناعي لفهم الاتجاهات، وتقترح الأنظمة الآلية توصيات بناءً على كميات هائلة من البيانات. لكن، بمجرد اتخاذ القرار، غالبًا ما تختفي سلسلة التفكير التي أدت إليه، دون وجود سجل يوضح كيف تم التوصل إليه.
وهذا أمر مهم لعدة أسباب. فإذا كانت النتائج غير مرغوب فيها، فمن الصعب تحديد ما الذي أثّر على القرار الأصلي. كما أن التحولات في السياسات التنظيمية تتطلب من المؤسسات إثبات كيف ساهمت رؤى الذكاء الاصطناعي في النتائج. والأهم، أن غياب سجل للأفكار السابقة يمنع التعلم من الأخطاء وتحسين عمليات اتخاذ القرارات المستقبلية، مما يجعل القرارات أحداثًا عابرة بدلاً من معرفة مؤسسية قيمة.
دروس من إطار قرار بويود
يقدم عمل جون بويود إطارًا مفيدًا لفهم هذا التحدي، عبر نظريته عن دورة OODA. يوضح أن الطريقة التي يفسر بها الأفراد والمنظمات المعلومات ويترجمونها إلى أفعال تعتمد بشكل كبير على مرحلة التوجيه. فهذه المرحلة تحدد كيف يتم تفسير الإشارات، وأيها يُعتبر منطقيًا، وما هي الخيارات المتاحة. في بيئات معقدة، يكون التوجيه غير واضح، إذ تتداخل مصادر المعلومات، وتختلف وجهات النظر.
مشكلة سير العمل غير المستمر للذكاء الاصطناعي
تعمل العديد من سير العمل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي كنظام مغلق، حيث يسترجع النظام البيانات، يُنتج استجابة، ثم يتوقف. غالبًا، يظل المنطق الذي ربط الأدلة بالنتائج غير مرئي. لكن، لتحقيق قرارات فعالة، يجب أن تظل الأنظمة مفتوحة، حيث يعرض الذكاء الاصطناعي الأدلة ويقترح الاستنتاجات، لكن يبقى الإنسان مسؤولًا عن تفسير السياق، والتحقق من الأدلة، واتخاذ القرار النهائي.
هذا الاختلاف جوهري، لأنه يحدد من المسؤول عن القرار. في النظام المغلق، تكون المسؤولية مشتتة، ولا يتحمل شخص واحد المسؤولية الكاملة عن المنطق. أما في النظام المفتوح، فالبشر يقيّمون الأدلة، ويطبقون الحكم، ويتحملون المسؤولية.
ضرورة تسجيل وتوثيق القرارات
لحل هذه المشكلة، يمكن للمؤسسات إعادة التفكير فيما تسجله عند اتخاذ القرارات. بدلاً من التركيز فقط على النتائج، يمكن اعتبار القرارات كأنها أصول معرفية، تحفظ المنطق الذي قام عليها. سجل القرار قد يتضمن الإشارة الأولية التي دفعت إلى البحث، والمصادر المستخدمة، والتحليل الذي أُجري، والحكم النهائي.
تسجيل هذا السياق يحول القرارات من أحداث عابرة إلى معرفة دائمة، يمكن استرجاعها وفهمها وتحسينها مع الوقت. يعكس هذا النهج تحولًا أوسع في قيمة المؤسسات الحديثة، إذ يصبح التفكير والإطار الذي يفسر المعلومات هو الأصل الأهم، وليس البيانات أو النماذج فقط.
إضافة طبقة استراتيجية فوق النماذج
واقع أن نماذج الذكاء الاصطناعي ستتغير مع مرور الوقت، يجعل من الضروري وجود إطار سياقي يحفظ مسار القرارات، بغض النظر عن الأدوات المستخدمة. إنشاء سجل للقرارات على مستوى المؤسسة يتيح تغيير الأنظمة مع الحفاظ على طريقة اتخاذ القرارات، وبالتالي يعزز قدرة المؤسسات على التوجيه والتصرف بثقة، حتى مع تغير الظروف.
الشفافية وتتبع القرارات كركيزة أساسية
مع تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي، ستصبح القدرة على تتبع القرارات أساسية، وليست خيارًا إضافيًا. إذ أن المؤسسات تستثمر بالفعل في حوكمة البيانات، وقابلية التدقيق، والتحكم في الوصول، وتتبع القرارات يُمثل التطور الطبيعي في هذا الاتجاه. من خلال تسجيل وتحليل سياق القرارات، يمكن للمؤسسات مراقبة كيفية تطور القرارات، وتحديد أين قد تتعثر الافتراضات، وتحسين عملية الحكم بشكل مستمر.
ختام: الدروس المستفادة من بويود في عصر الذكاء الاصطناعي
قبل أكثر من نصف قرن، أظهر جون بويود أن النجاح يكمن في القدرة على تفسير الإشارات والتصرف بفعالية في بيئات غير مؤكدة. وكان يعتقد أن القرارات يجب أن تُعاد مراجعتها لاحقًا، لمراجعة كيفية تفسير الإشارات، والأخطاء التي وقعت، وكيفية تأثير الأفعال على النتائج، بهدف تحسين القرارات المستقبلية. في عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه الدروس أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ أن القدرة على تتبع وفهم مسارات اتخاذ القرار ستحدد نجاح المؤسسات في المستقبل.
المصدر: Latest from TechRadar
