نطمح دائمًا لوصف المملكة المتحدة كقائد عالمي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والابتكار الرقمي. لكن الواقع يُظهر أننا نجهد المهندسين الذين نحتاج إليهم لتحقيق تلك الطموحات.
بدلاً من تمكين المواهب التقنية من الابتكار والإبداع، تجد العديد من المؤسسات تُرهق فرقها من خلال العمل المستمر في إصلاح الأعطال والتصحيحات الطارئة. تشير البيانات إلى أن 66% من مطوري البرمجيات في المملكة المتحدة يقضون الآن أكثر من نصف وقتهم في صيانة الكود بدلاً من تطوير ميزات جديدة. كما أن 81% منهم يؤكدون أنهم مرهقون للغاية لدرجة تمنعهم من تخصيص وقت للإبداع والابتكار.
### عبء العمل المفرط وتأثيره على الإنتاجية
ما يُطلب من المهندسين حاليًا يشبه إلى حد كبير طلب من سائقي الفورمولا 1 بناء سياراتهم أثناء السباق، ثم تحميلهم المسؤولية عندما يخسرون. لا يتطلب الأمر أن تكون مهندسًا لتفهم عواقب ذلك، فالأمر يتعدى مجرد ضغط العمل؛ إنه يُعد بمثابة عبء ضريبي على الإنتاجية.
نحن نعيش في ثقافة عمل أصبحت فيها المطورون دائمًا في وضع رد الفعل، يتعاملون مع تراكم الأعمال، ويعالجون الثغرات الأمنية، ويحاولون فك رموز الشيفرات القديمة المعقدة. هذه المشاكل ليست من صنعهم، ومع ذلك يُحمّلون مسؤوليتها بشكل غير عادل.
### ارتفاع معدلات الاحتراق الوظيفي وغياب الابتكار
نتيجة لذلك، تزداد معدلات الإرهاق بين المطورين بشكل مقلق. حيث يقول أكثر من ثلثهم (35%) إن الإرهاق هو العقبة الرئيسية أمام تجربة عمل إيجابية، وقلق اثنان من بين كل ثلاثة من قادة فرق الهندسة بشأن الحفاظ على المواهب في ظل هذه الظروف.
الأمر الأسوأ هو أن كل هذا الجهد المبذول يأتي على حساب الابتكار. حيث يقضي المطورون الآن فقط 16% من وقتهم في بناء ميزات جديدة، رغم أن 93% منهم يرون أن هذه المرحلة هي الأكثر إثارة وتحفيزًا في عملهم.
### التحديات الأمنية وأهمية تغيير النهج
عندما يصدر تحديث أمني جديد أو يُعلن عن ثغرة أمنية خطيرة، يُجبر المطورون على التخلي عن العمل ذو القيمة المضافة لمعالجة الثغرات. هذا لا يُعد مجرد إزعاج، بل يُعد فشلًا في العمليات الأساسية.
لتحقيق تطبيقات أعمال آمنة بشكل افتراضي، يجب أن نُقلل من عبء العمل الملقى على عاتق المطورين ونُدمج الأمان بشكل مبكر في دورة التطوير. يتطلب ذلك اعتماد أدوات وتصميمات برمجية تركز على الأمان من البداية، مع تقليل الاعتماد على التصحيحات الطارئة، وتوفير بيئات تطوير موثوقة ومشفرة.
### الحاجة إلى بيئة تطوير أكثر دعمًا
المطورون لا يرغبون في أدوات إضافية، بل يرغبون في استرجاع الوقت الذي يُهدر في التعامل مع الثغرات وحل المشكلات. فالسقف الذي يعيق الابتكار هو التوازن بين المخاطر والفرص.
يُعد الاعتماد على المصادر المفتوحة أساسًا رئيسيًا في حوالي 90% من البرمجيات الحديثة، وهو ما يسرع الابتكار، لكنه يُدخل مخاطر تتعلق بسلسلة إمداد البرمجيات، مثل الأكواد غير الموثوقة والبنى التحتية غير المعتمدة.
### خطوات لتعزيز أمن البرمجيات ودعم المطورين
تُعد مبادرة المملكة المتحدة الجديدة لمدونة ممارسات أمن البرمجيات خطوة أولى مرحب بها، حيث تدعو إلى تطوير برمجيات آمنة وحوكمة المصادر المفتوحة. لكن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة: نحن نعتمد على أكواد غير موثوقة، والمطورون هم من يدفعون الثمن من خلال جهود التصحيح المستمر.
للفوز في سباق التكنولوجيا والابتكار، يتعين على المملكة المتحدة أن تتوقف عن التعامل مع أمن سلسلة إمداد البرمجيات كمسألة إدارة تصحيحات فحسب. بدلاً من ذلك، يجب أن يُصبح الأمن أولوية للمطورين منذ بداية عملية التطوير، عبر بناء صور برمجية موثوقة، وتوقيع حزم البرمجيات، واستخدام مكونات آمنة بشكل افتراضي.
### خلاصة
على المؤسسات أن تُمكن مهندسيها من الابتكار، وتوفر لهم بيئة عمل تدعم أمان البرمجيات منذ البداية. فقط حينما نمنح المطورين المساحة والموارد اللازمة، يمكننا أن ننافس بقوة في عصر الذكاء الاصطناعي ونحقق طموحاتنا الرقمية.
