تشديد الرقابة على الإنترنت في روسيا: هل يمكن أن يكون تطبيق MAX هو الحل الأمثل؟
مقدمة: حملة قمع واسعة ضد الإنترنت في روسيا
شهدت روسيا مؤخراً حملة مكثفة تستهدف تقييد الوصول إلى الإنترنت، حيث تم حظر العديد من التطبيقات الشعبية واستهداف استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN). يبدو أن ما يُطلق عليه الإعلام بـ”الحملة الكبرى” في البلاد قد وضعت نصب أعينها تطبيق MAX، الذي يهدف إلى أن يكون البديل الوطني الشامل لمنصات المراسلة المعروفة مثل واتساب وتيليجرام، مع دمج خدمات حكومية متعددة. منذ سبتمبر، أصبح من الضروري أن يُثبّت تطبيق MAX مسبقاً على جميع الهواتف والأجهزة اللوحية الجديدة المباعة في روسيا.
تحذيرات من المراقبة الشديدة
لكن منذ إطلاقه في مارس 2025، حذر خبراء من الإمكانيات الكبيرة للمراقبة التي يوفرها التطبيق، حيث يُنظر إليه كأداة محتملة لمزيد من السيطرة الحكومية على حياة المواطنين الرقمية. تدهور أداء التطبيق، إلى جانب المخاوف من التدخل الحكومي، دفع الكثير من الروس إلى الاعتماد على خدمات VPN للحفاظ على قدرتهم على الوصول إلى منصات بديلة أكثر حرية وخصوصية.
جهود الحكومة لإجبار المستخدمين على الاعتماد على MAX
يبدو أن الكرملين يسعى جاهداً لجعل تطبيق MAX جزءاً أساسياً من حياة المواطنين الرقمية. وفقاً لساركيس داربينيان، خبير في حقوق الرقمية من مجموعتي RKS Global وVPN Guild، فإن الحملة الأخيرة لخفض استخدام الـVPN عبر فرض حظر، وفرض رسوم، وفرض غرامات محتملة، تأتي ضمن خطة مدبرة لإجبار الناس على التحول إلى MAX. وأوضح أن التعليمات تأتي من رئاسة الجمهورية، وتوجيهاتها تتضمن دفع الناس إلى الاعتماد على التطبيق بأي وسيلة ممكنة، من خلال الإقناع، والخداع، وترهيب المواطنين، وادعاءات كاذبة.
خطوات التشريع وتغيير القانون
لتنفيذ هذه الرؤية، قامت السلطات الروسية بتعديل القانون بشكل كبير. في يونيو من العام الماضي، وقع الرئيس بوتين على قانون يُصنّف MAX كـ”مراسِل وطني متعدد الوظائف”، يهدف إلى دمجه مع خدمات الدولة مثل منصة الخدمات الحكومية (Gosuslugi)، والخدمات المصرفية، والتعليم. ويؤكد القانون أن التطبيق سيصبح أداة لا غنى عنها للمواطنين الروس.
كما زادت السلطات من قدراتها على مراقبة الإنترنت، بعد إصدار مرسوم حكومي في أكتوبر 2025 يسمح لهيئة روسكومنادزور بحظر المحتوى مباشرة، دون الاعتماد على شركات الاتصالات. في فبراير 2026، أقر البرلمان قانوناً يمنح جهاز الأمن الفيدرالي (FSB) القدرة على إصدار أوامر بإيقاف الاتصالات المستهدفة عند الحاجة.
تقييد استخدام VPN وفرض قوانين جديدة
على الرغم من أن استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) لم يصبح جريمة رسمياً بعد، إلا أن هناك قوانين صارمة تستهدف أدوات التهرب من الرقابة. ففي عام 2024، تم تجريم نشر طرق تجاوز الرقابة، مما أدى إلى فرض غرامات على شركات مثل جوجل. وفي يوليو 2025، أُقرت قوانين تفرض غرامات على من يبحثون عن محتوى متطرف عبر VPN.
إلغاء المنافسة وفرض الحصار على تطبيقات التواصل
بالإضافة إلى التغييرات القانونية، بدأت السلطات الروسية في تنفيذ تقنيات حظر متطورة لإقصاء المنافسين. فبعد حظر فيسبوك وإنستغرام منذ مارس 2022، استمرت القيود في التزايد، مع تصعيد في فبراير 2026 باستخدام تقنيات حظر DNS وتقنيات فحص حزم البيانات (DPI).
حظر تطبيق تيليجرام، وهو الأكثر شعبية في روسيا، كان خطوة مثيرة للجدل. فبينما يبرر الكرملين ذلك بأسباب أمنية، يرى الخبراء أن الهدف الحقيقي هو دفع المستخدمين نحو تطبيق MAX المراقَب. واعتبر رئيس تيليجرام، بافل دوروف، هذا الحظر “تصرفاً استبدادياً” يهدف إلى إجبار المواطنين على الانتقال إلى تطبيق يسيطر عليه الدولة.
تصعيد الحرب على VPN
لطالما كانت VPN أداة حيوية للمواطنين الروس، خاصة لتجاوز الرقابة والوصول إلى الأخبار العالمية. لكن مع تصاعد الحصار، بدأ المسؤولون في اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً. فمكالمة وزيرة التنمية الرقمية، ماكسوت شدايف، تضمنت فرض قيود جديدة على المنصات، وفرض رسوم على استخدام البيانات الدولية، والتقليل من إمكانيات الدفع عبر Apple ID لشراء خدمات VPN.
كما أزالت شركة آبل العديد من تطبيقات VPN المخصصة من متجر التطبيقات الروسي، بناءً على طلب الهيئة التنظيمية. وتُعد هذه الإجراءات محاولة لمواجهة التحديات التقنية في حظر VPN بشكل فعال، بالرغم من استمرار مزودي الخدمة في تطوير أدوات مقاومة للرقابة.
ردود الفعل الشعبية والانتقادات
على الرغم من الإجراءات القسرية، لم تتجاهل الجماهير الروسية ردود الفعل الغاضبة على حظر تطبيق تيليجرام، الذي يُعد أحد أكبر منصات التواصل. فوفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، أدت هذه الخطوة إلى انتقادات واسعة من قبل الجمهور والسياسيين، وارتفعت أصوات معارضة لإغلاق التطبيق، خاصة مع انقطاع الإنترنت في مدن مثل موسكو وسانت بطرسبرغ وروسوفو.
هل ستنجح خطة الحكومة في تحويل الإنترنت إلى أداة تسيطر عليها الدولة فقط؟
يخشى خبراء مثل داربينيان أن يؤدي هذا النهج إلى جعل الإنترنت حكراً على الأثرياء والمخلصين، مع تقييد الوصول إلى خدمات خارجية وشبكات VPN موثوقة. ومع تصعيد الحملة، يبقى السؤال حول مدى قدرة الحكومة على السيطرة الكاملة على الفضاء الرقمي في روسيا، وما إذا كانت ستنجح في فرض نموذج رقابة صارم يحد من حرية التعبير وحقوق المستخدمين.
ختاماً
تبدو روسيا ماضية في طريقها نحو تشكيل بيئة رقمية تخضع لسيطرة حكومية مطلقة، مع تطبيقات مدمجة في حياة المواطنين، وتقنيات حظر متطورة، وقوانين صارمة ضد أدوات التهرب من الرقابة. ومع استمرار التصعيد، يبقى مستقبل حرية الإنترنت في البلاد على المحك، وسط مخاوف متزايدة من تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مراقبة وسيطرة كاملة.
