تواجه أكبر الاقتصادات حول العالم مشكلة مشتركة تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي للكهرباء. إذ أن استهلاك الطاقة الناتج عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتزايد بسرعة تفوق قدرة الشبكات الكهربائية على التحمل. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار سوق القدرة الكهربائية في منطقة PJM، أكبر شبكة كهربائية في البلاد، ارتفاعًا يزيد عن عشرة أضعاف خلال العامين الماضيين، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى نمو مراكز البيانات. أما في أوروبا، فتعمل شركات الكهرباء على تحديث البنية التحتية لنقل الكهرباء بشكل سريع لمواكبة الطلب المتزايد من قبل الشركات الكبرى في مجال السحابة الرقمية والحوسبة الهائلة.
توقعات الوكالة الدولية للطاقة (IEA) تشير إلى أن استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات عالمياً قد يقترب من 1000 تيراواط ساعة بحلول نهاية العقد. ورغم توفر مصادر الطاقة المتجددة بشكل كبير، إلا أن معظم الدول تفتقر إلى القدرة على تنسيقها بشكل فعال، خاصة عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لرسم خرائط شبكات الطاقة على المستويات الوطنية. إلا أن الصين تمكنت من تحقيق ذلك.
اكتشاف جديد من الصين في مجال إدارة الشبكات الكهربائية باستخدام الذكاء الاصطناعي
نشرت جامعة بكين ومختبر DAMO التابع لمجموعة علي بابا دراسة في مجلة نيتشر هذا الأسبوع، أظهرت نتائج غير مسبوقة في مجال إدارة الطاقة. فقد تمكن الباحثون من إنشاء أول مخزون كامل وبتفاصيل عالية الدقة للبنية التحتية للطاقة الشمسية والرياح في بلد كامل، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
اعتمد الباحثون على نموذج تعلم عميق مدرب على صور الأقمار الصناعية ذات الدقة دون المتر، ونجحوا في تحديد أكثر من 319 ألف منشأة للطاقة الشمسية و91 ألف توربينة رياح في الصين، باستخدام 7.56 تيرابايت من البيانات الصورية. هذه الخريطة الشاملة توفر رؤية واضحة للبنية التحتية، مما يسهل عملية التنسيق بين مصادر الطاقة المختلفة على المستوى الوطني.
أهمية تنسيق مصادر الطاقة المتجددة وتحسين استقرار الشبكة
البحوث السابقة كانت تركز بشكل رئيسي على فكرة تكامل طاقتي الشمس والرياح، وكيف يمكن أن يعوض كل منهما الآخر في حال تقلبات الإنتاج. لكن، حتى الآن، لم تكن هناك دراسات واضحة حول كيفية تطبيق ذلك على البنية التحتية الفعلية. وبينت الدراسة أن تكامل مصادر الطاقة الشمسية والرياح يقلل بشكل كبير من تقلبات الإنتاج، خاصة عندما تكون المنشآت موزعة على مساحة جغرافية واسعة.
على سبيل المثال، عندما يغطي سحب منطقة محطة الطاقة الشمسية في قانسو، فهي لا تؤثر على إنتاج طواحين الرياح في منغوليا الداخلية. وهذا يعكس أن التنسيق الحالي الذي يحدث على مستوى المقاطعات، بدلاً من المستوى الوطني، يحد من فعالية الاستفادة من تكامل المصادر.
يدعو الباحثون إلى توسيع نطاق التنسيق ليشمل جميع أنحاء البلاد، حيث سيساعد ذلك على تحقيق توازن أكبر بين مصادر الطاقة المتجددة، وتقليل الفاقد من الطاقة الناتج عن إغلاق المحطات غير المستغلة، وهو أحد أكبر تحديات الصين في مجال الطاقة النظيفة.
تطور تكنولوجي يغير قواعد اللعبة
الإنجاز التقني الرئيسي في الدراسة هو تطوير نموذج تعلم عميق قادر على التعرف على منشآت الطاقة الشمسية وطواحين الرياح باستخدام صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، رغم التحديات الناتجة عن تنوع أنواع الأنظمة والظروف الجغرافية وجودة الصور.
هذا النموذج أنتج سجلًا يشمل جميع المنشآت في 1915 محافظة صينية، من الألواح الشمسية على أسطح المباني في المدن الساحلية إلى مزارع الرياح على الهضاب المنغولية. ويمثل هذا العمل مثالًا حيًا على إمكانيات الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات الجغرافية الكبيرة، ويمكن أن يكون نموذجًا يُحتذى به لبلدان أخرى.
أهمية القطاع الطاقي الصيني وأثره الاقتصادي
تُقدّر القيمة الاقتصادية لقطاع الطاقة النظيفة في الصين بنحو 15.4 تريليون يوان (حوالي 2.26 تريليون دولار أميركي) في العام الماضي، وهو يعادل الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل، وفقًا لمركز الأبحاث حول الطاقة والهواء النظيف في فنلندا. إدارة هذا الحجم الكبير من الأصول دون أداة رؤية وطنية كانت دائمًا تحديًا، والآن أصبحت هذه المشكلة في طريقها للحل.
كما أن البيانات التي أُنتجت والكود البرمجي متاحة للجمهور عبر منصة Zenodo، مما يعزز من فرص التعاون والتطوير في هذا المجال.
ختامًا
تُظهر هذه الدراسة كيف يمكن لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أن تُحدث تحولًا كبيرًا في إدارة شبكات الكهرباء، خاصة مع تزايد الطلب على الطاقة الناتج عن توسع مراكز البيانات والأنشطة الرقمية. ويؤكد الخبراء أن توسيع نطاق التنسيق على المستوى الوطني سيعزز من استقرار الشبكة، ويقلل من الفاقد، ويدعم الانتقال إلى اقتصاد أكثر استدامة في الصين والعالم.
المصدر: AI News
