قبل أسبوعين، خلال فعاليات مؤتمر Google Cloud Next ’26 في لاس فيغاس، قامت شركة جوجل بخطوة جريئة تعكس تطور صناعة الذكاء الاصطناعي المؤسسي منذ نحو عامين. إذ أعلنت أن إدارة الأنظمة الذكية ذات الوكالة (Agentic AI) أصبحت ميزة مدمجة أصيلة في منتجاتها، وليست مجرد إضافة لاحقة.
الاعلان الرئيسي كان عن منصة Gemini Enterprise Agent، التي تعتبر خليفة لمنصة Vertex AI، ووصفها جوجل بأنها منصة شاملة لبناء، وتوسيع، وإدارة، وتحسين أداء الوكلاء الذكيين. وما يميزها ليس فقط الوصول إلى النماذج أو ترقية معالجات TPU، بل البنية التحتية التي تعتمد عليها. فكل وكيل يُنشأ على المنصة يُمنح هوية تشفير فريدة لضمان تتبع العمليات والتدقيق، في حين تتولى منصة Agent Gateway مراقبة وتسيير التفاعلات بين الوكلاء وبيانات المؤسسة. بمعنى آخر، تُقدم الحوكمة كجزء لا يتجزأ من المنتج.
هذه الخطوة جاءت استجابة مباشرة لمشكلة لطالما كانت تتربص بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات: فجوة الحوكمة.
### فجوة الحوكمة في الذكاء الاصطناعي الوكولي
تشير دراسة استقصائية أجرتها شركة OutSystems على 1879 من قادة تكنولوجيا المعلومات، نُشرت في أبريل، إلى أن 97% من المؤسسات تدرس حالياً استراتيجيات الذكاء الاصطناعي الوكولي، وأن 49% تعتبر قدراتها متقدمة أو خبيره. ومع ذلك، فإن 36% فقط تتبع نهجاً مركزياً لإدارة حوكمة هذه الأنظمة، وما يقرب من 12% تستخدم منصة مركزية لمراقبة السيطرة على انتشار الوكلاء، وهو ما يمثل فجوة هائلة تصل إلى 85 نقطة بين الثقة والقدرة على السيطرة الفعلية.
أما تقرير Gartner لعام 2026 حول “دورة الضجيج” للذكاء الاصطناعي الوكولي، فيعكس نفس التوتر بشكل مختلف. فبينما لم تتجاوز نسبة المؤسسات التي أطلقت الوكلاء الذكيين حتى الآن 17%، تتوقع أكثر من 60% منها أن تقوم بذلك خلال العامين القادمين، وهو معدل تبني سريع لم يُشهد من قبل في تكنولوجيا ناشئة. لكن، على أرض الواقع، تتراوح نسبة الوكلاء الذكيين الذين وصلوا إلى مرحلة الإنتاج الحقيقي بين 11% و14%، بينما أغلب المشاريع (86% إلى 89%) تعثرت أو توقفت أو لم تتعد مرحلة إثبات المفهوم، لأسباب تتعلق غالباً بمشكلات في الحوكمة والتكامل.
### ما الذي تعتمد عليه جوجل فعلاً؟
في مؤتمر Cloud Next ’26، ركزت جوجل على مفهوم السيطرة وإدارة الأنظمة بدلاً من مجرد قدرات النموذج. أشار تحليل شركة Bain & Company إلى أن جوجل تتجه من مجرد توفير الوصول إلى النماذج نحو منصة كاملة لإدارة الوكلاء الذكيين، تكون فيها الهوية، والسياق، والأمان في صلب البنية التحتية، وليس على هامشها.
هذا التوجه منطقي، خاصة مع أن جميع مقدمي خدمات السحابة الكبرى أعلنوا عن سجلات للوكلاء فقط في أبريل 2026، مما يدل على أن أدوات الحوكمة لا تزال في مرحلتها المبكرة. ما قامت به جوجل هو الأكثر شمولية حتى الآن، لكنه يتطلب أيضاً تكاملًا عميقًا مع نظامها البيئي، وهو ما يضع تحديات أمام المؤسسات التي تفكر في الاعتماد على منصتها.
### التوتر بين القدرات والتكامل
يواجه مهندسو المؤسسات الآن تحدياً في فهم مدى التزامهم بدمج الأنظمة الوكولية، حيث تتضاعف هويات ووصولات الوكلاء بسرعة لا يمكن أن تتعامل معها نماذج إدارة الهوية التقليدية. فبمجرد أن يبدأ الوكيل في العمل عبر أنظمة متعددة، تتحول مسألة الحوكمة من اختيار النموذج الموفق إلى تحديد مدى صلاحية الإجراءات التي يمكن أن يتخذها، ومع من، وباستخدام أدوات معينة، مع ضرورة ضمان وجود سجل تدقيق شامل.
وفي هذا السياق، تُعد هوية الوكيل المشفرة والبنية التحتية لبوابة الوكيل التي تقدمها جوجل استجابة مباشرة لهذا التحدي. ومع ذلك، يبقى السؤال ما إذا كانت المؤسسات مستعدة لمنح جوجل هذا المستوى من السيطرة التشغيلية.
### مشكلة التزييف والتحايل على الحوكمة
هناك مشكلة أخرى تتعلق بحقائق السوق، وهي أن جزءًا كبيرًا مما يروج له حالياً على أنه ذكاء اصطناعي وكيلي ليس فعلاً كذلك. فبحسب أبحاث Deloitte، فإن العديد من المبادرات التي يُطلق عليها “وكيلية” هي في الواقع تطبيقات أتمتة تقليدية، تعتمد على أدوات سير عمل قديمة مع واجهات حوارية، وتعمل وفق قواعد محددة مسبقاً، وليس على أساس استنتاجات أو تفكير مستقل.
وهذا يهم، لأن أطر الحوكمة المصممة للأنظمة الوكيلية الحقيقية لا تتوافق بالضرورة مع الأتمتة المبرمجة، والعكس صحيح. فالمؤسسات التي تخلط بين الاثنين قد تواجه بنى حوكمة إما مقيدة جداً أو فضفاضة بشكل مضر، مما يعرض مشاريعها للفشل.
### المستقبل والمخاطر المحتملة
يتوقع تقرير Gartner أن أكثر من 40% من مشاريع الذكاء الاصطناعي الوكولي قد تُلغى بحلول 2027، بسبب ضعف الحوكمة وعدم وضوح القيمة المضافة. لذلك، فإن الاستثمار في بنى الحوكمة، من سجل التدقيق، ومسارات التصعيد، وحقوق الوصول المحدودة، هو أساس نجاح هذه المشاريع على المدى الطويل.
إطلاق منصة جوجل هو على الأقل بمثابة ضغط يدفع المؤسسات لتبني أدوات حوكمة متقدمة. لكن التحدي الحقيقي يبقى في العمل التنظيمي، وتحديد ما يُسمح للوكيلات بالقيام به، ومن يتحمل المسؤولية حال أخطأت، وهل المنصة التي تجمع كل ذلك جاهزة للبناء عليها أم لا.
### خلاصة
تُظهر خطوات جوجل في إدارة الذكاء الاصطناعي الوكولي أن المستقبل يتجه نحو دمج الحوكمة بشكل أعمق في التكنولوجيا، مع التركيز على الهوية والأمان. لكن الطريق لا يزال طويلاً، وتتطلب التحديات التقنية والتنظيمية جهوداً كبيرة لضمان أن تكون هذه الأنظمة فعلاً أدوات ذكية وآمنة، وليست مجرد أدوات أتمتة عادية أو فخاخاً للتزييف والتحايل.
المصدر: AI News
