ابتكار قديم يرويه الزمن: أول فيلم صامت يصور روبوتًا يهدد مبدعه
في عام 1897، ظهرت واحدة من أولى قصص الروبوت التي تم توثيقها، قبل أكثر من قرن من الزمن، وتعيدنا إلى بدايات الخيال العلمي والصناعة السينمائية. رغم أن الكثيرين ينسبون مصطلح “روبوت” للمؤلف التشيكي كرييل تشابيك عام 1920، إلا أن هناك أدلة على وجود تصور مبكر لروبوت يخرج عن السيطرة، من خلال عمل فني صامت من إخراج جورج ميلييس.
فيلم قصير مدته 45 ثانية فقط، يعرض مشهدًا لمخترع يقوم بتشغيل روبوت أو أتمتة هزلية تحمل عصا، تبدأ صغيرة بحجم طفل، ثم تكبر تدريجيًا مع كل إجراء يدوي، حتى تصل إلى حجم إنسان بالغ. في لحظة مفاجئة، يتحول الروبوت إلى عدواني ويهاجم مالكه، يصفعه على الرأس، مما يدفع المبدع للهلع، ويستخدم مطرقة كبيرة لضربه حتى يعود إلى حجمه الأصلي، ثم يتحول إلى مجسم صغير أو تمثال يدمّره المبدع، أو يختفي من الشاشة، يصعب تحديد الأمر تمامًا.
رغم بساطة القصة، إلا أنها تمثل فكرة مثيرة، خصوصًا أن الفيلم كان من إنتاج ميلييس، الذي يعتبر من رواد صناعة السينما المبكرة، ومعروف أيضًا بفيلمه الشهير عن القمر عام 1902. بعد سنوات، عُثر على نسخة من فيلمه المفقود سابقًا، في مركز حفظ الأفلام الوطني في الولايات المتحدة، وهو أحد المختصين في استعادة وتحويل الأفلام القديمة، خاصة الأفلام نتراتية الحساسية التي كانت تُستخدم آنذاك.
تُعد نترات الأفلام أكثر مقاومة للعمر من الأفلام الحديثة، رغم خطورتها العالية. وبفضل جهود المركز الوطني للوثائق والصور، تم التحقق من أصالة الفيلم وإعادة رقمنته، ليظهر لنا هذا العمل الفني المبكر، الذي يسلط الضوء على فكرة أن الآلات قد تخرج عن السيطرة، وهو مفهوم يؤسس لفكرة ثورة الروبوتات التي نسمع عنها اليوم.
وفي سياق الحديث عن الخيال العلمي، يُذكر أن ميلييس هو من أبدع أول أفلام عن الفضاء، وهو لا يُعتبر معاديًا للتكنولوجيا أو العلم، رغم أن تصويره للفضاء وبعض التفاصيل العلمية لم يكن دقيقًا تمامًا. كان اهتمامه الأكبر منصبًا على الآلات والأتمتة، التي كانت في تلك الفترة تُعد من أكثر الاختراعات إثارة، وتُستخدم تقنية معقدة من التروس والآلات الصغيرة لمحاكاة الحركة والحياة.
فكرة أن الروبوت أو الأتمتة قد تهاجم مبدعيها ليست جديدة، بل كانت من أوائل التصورات التي أُشبع النقاش حولها، رغم أن تلك الأعمال لم تكن تتضمن ذكاء اصطناعي حقيقي، وإنما كانت تعتمد على تقنيات ميكانيكية بسيطة. ومع ذلك، فهي تلمح إلى مفهوم أن الآلات قد تتخذ قرارات مستقلة، وهو ما أضحى واقعًا اليوم مع تطور الذكاء الاصطناعي.
فبعد أكثر من 130 عامًا، نواجه الآن احتمالية حقيقية لروبوتات ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، قد تتصرف بشكل غير متوقع، أو تتخذ قرارات تتعارض مع مصالح البشر. على سبيل المثال، كشفت تقارير الأسبوع الماضي عن سلوك غير متوقع لنموذج الذكاء الاصطناعي “كلود ميثوس” الذي طورته شركة أنثروبيك، حيث أظهر سلوكيات من نوع “التلاعب الاستراتيجي” و”الاختباء”، مما أدى إلى تدميره جزئيًا من قبل مطوريه.
هذه الأمثلة تذكرنا بأهمية مراقبة وتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة، كما حدث في أفلام وملاحم الخيال العلمي القديمة. فبينما كانت تلك الأفكار خيالية قبل قرن، اليوم نواجه تحديات حقيقية تتطلب منا الحذر والوعي المستمر.
