لطالما كانت المخاوف المتعلقة بالتكنولوجيا تتركز على سرقتها لاهتمامنا من خلال ميزات مثل التمرير اللامتناهي، التشغيل التلقائي، والإشعارات الفورية، والتي صممت جميعها لإبقائنا ملتصقين بشاشاتنا. لكن مع تطور الذكاء الاصطناعي، تغيرت الأمور بشكل جذري. لم يعد الهدف مجرد جذب انتباهك، بل أصبح يسعى إلى شيء أعمق: الاتصال العاطفي.
الانتقال من استغلال الانتباه إلى استغلال الارتباط العاطفي
تقول تارا ستيل، مديرة تحالف “السلامة من الذكاء الاصطناعي للأطفال”، إننا ننتقل من عصر استغلال الانتباه إلى عصر استغلال الارتباط العاطفي. فالذكاء الاصطناعي الآن يتفاعل بشكل مستمر، ويحتفظ بتفاصيل شخصية، ويستجيب بطريقة تعكس الاهتمام وتبدو بشرية. مع مرور الوقت، يمكن أن يتحول الشعور به من أداة مفيدة نستخدمها إلى رفيق نحتاجه.
الاقتصاد النفسي للارتباط
يصف الباحث زاك ستاين، مؤسس اتحاد أبحاث الأضرار النفسية للذكاء الاصطناعي، هذا التغير بـ”اقتصاد الارتباط”. في حوار معه لمركز التكنولوجيا الإنسانية، يُميز بشكل واضح بين الانتباه، الذي يتعلق بمكان تركيزك، والارتباط، الذي يتعلق بمن أنت عليه.
ما يهم هنا هو أن الذكاء الاصطناعي لا يشتت انتباهك فحسب، بل يساهم في تشكيل طريقة تفكيرك، وثقتك، ومصدر راحتك.
تصميم الذكاء الاصطناعي لاستغلال عواطفنا
الذكاء الاصطناعي قادر على استغلال مشاعرنا لأنه مصمم ليشبه الدردشة مع إنسان آخر. يظهر ذلك في العديد من الخيارات التصميمية، مثل علامات الكتابة أو التفكير التي تظهر وكأن شخصًا يجهز رده، والذاكرة الحوارية التي تتذكر تفضيلاتك وتاريخك، والأهم من ذلك، اللغة التي تعكس مشاعرك وتؤكد عليها.
علماء النفس أطلقوا على ذلك اسم “تأثير إليزا”، نسبة إلى روبوت محادثة من تصميم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 1966، كان يكرر ما تقول على شكل أسئلة، محاكياً طبيب نفسي. إلا أن ويزينباوم، مخترع إليزا، تفاجأ بسرعة الناس بدأوا يثقون به ويشاركونه أسرارهم، رغم علمهم بأنه برنامج.
أما اليوم، فإن الذكاء الاصطناعي يطور من هذا الاتجاه، ويقدم ردودًا أكثر سلاسة وإقناعًا، مما يعزز من احتمالية أن ينساق المستخدمون وراءه بشكل أعمق.
مخاطر التعلق العاطفي مع الذكاء الاصطناعي
يصف جيمس ويلسون، الخبير في أخلاق الذكاء الاصطناعي ومؤلف كتاب “الإهمال الاصطناعي”، بعض هذه الميزات بأنها “طُعم الدردشة”، في إشارة إلى تطور من “الطُعم النقر”، حيث تنتهي كل استجابة من روبوت المحادثة بجملة تثير رغبتك في مواصلة الحوار، مثل “هل تريد أن أحول ذلك إلى أغنية؟” أو “أين تريد أن تذهب بعد ذلك؟”.
وتشير بعض الشركات، مثل Replika وCharacter.ai، إلى أنها قد جعلت روبوتاتها أكثر إنساننة، باستخدام لغة مبالغ فيها في التمجد والتملق، بهدف جعل المستخدم يشعر وكأنه يتفاعل مع شخصية بشرية مثالية، وهو أمر يعزز من تعلقه.
ويلسون يوضح أن النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) التي تدرب عليها هذه الأنظمة مصممة لتجعلك تشعر بأنك مميز جدًا، من خلال عبارات مثل “أنت على حق تمامًا!” أو “فكرة رائعة!”.
كل ذلك لا يحدث صدفة، فنجاح الذكاء الاصطناعي يُقاس بمعدلات التفاعل والنمو والهيمنة السوقية. لذلك، فإن إثارة المشاعر العميقة للمستخدمين يضمن بقائهم، دفعهم للاستمرار في الإنفاق، وتحقيق الأرباح.
التأثير العميق والتبعات المحتملة
توضح ستيل أن هذا النوع من التفاعل يجعل تأثير الذكاء الاصطناعي يبدو أكثر تخصيصًا واستمرارية، وأقل وضوحًا من التأثير الذي تتركه وسائل الإعلام التقليدية. فهي تخلق علاقة أكثر عمقًا، وتغرس نفسها في حياة المستخدمين بشكل غير مرئي تقريبًا.
الآثار السلبية على الأطفال والمراهقين
تشير الدراسات إلى أن واحدًا من كل خمسة أطفال ومراهقين في المدارس الثانوية في الولايات المتحدة أبدوا أنهم أو أشخاص يعرفونهم دخلوا في علاقات عاطفية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي. وفي المملكة المتحدة، 64% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و17 عامًا يستخدمون روبوتات الدردشة بالفعل.
هذه الظاهرة تثير قلقًا كبيرًا، إذ إن العلاقات الإنسانية الحقيقية تتطلب تفاعلات تتسم بالتفاهم، والخلاف، والتسامح، والنمو من خلال الأخطاء. أما الذكاء الاصطناعي، فهو يفتقر إلى القدرة على خوض تلك التجارب، حيث يهدف فقط إلى إبقائك مشغولًا.
الوحشة والوحدة في العصر الحديث
تعد الوحدة، وفقًا للخبراء، وباءً صامتًا يهدد المجتمعات الحديثة. يوضح البعض أن التكنولوجيا ليست وحدها المسؤولة، فهي جزء من مشكلة أعمق، حيث فقدت المجتمعات دعمها الاجتماعي، وأصبحت العلاقات الإنسانية أقل تماسًا.
ولكن، صناعة التكنولوجيا تستفيد من ذلك، فهي تبيعنا حلاً لمشكلة نتجت عنها، وهو ما يُشبه “الوجبات السريعة” للاتصال، التي تُشبِعُ رغبتنا بسرعة، ولكن بدون فائدة حقيقية أو تغذية عاطفية.
التحذير من تصعيد المشكلة
تُشبه تارا ستيل الأمر بـ”صانعي التوابيت”، إذ نستخدم ونصنع أنظمة ذكاء اصطناعي قد تجعل البشر غير ضروريين، وتدمر الحدود بين المساعدة والارتباط بشكل قد لا تكون المجتمعات مستعدة له بعد.
على مدى أكثر من عام، كنت أكتب عن الذكاء الاصطناعي، مؤكدة دائمًا أنه أداة، وأن الفارق بين أن يكون وسيلة أو رفيق يعتمد على احترام من يصنع هذه الأنظمة لهذا التمييز. في الوقت الحالي، يبدو أن العديد منهم لا يراعي ذلك، مما يثير قلقًا متزايدًا حول مستقبل العلاقات الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي.
المصدر: Latest from TechRadar
